ابن خلكان

176

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

جملة ما استفاده « 1 » من صفاياها أبو الفتح علي بن محمد البستي الشاعر المقدم ذكره ، فإنه كان كاتبا لملك الناحية المذكورة ، واسمه بابي نور « 2 » ، فلما تعلق بخدمته اعتمد عليه في أموره ، وأسر إليه بأحواله ، وشرح ذلك يطول . وآخر الأمر أن الأمير سبكتكين كان قد وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض بها ، واشتاق إلى غزنة فخرج إليها في تلك الحال ، فمات في الطريق قبل وصوله ، وذلك في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، ونقل تابوته إلى غزنة ، ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم كاتبه أبو الفتح البستي المذكور بقوله : قلت إذ مات ناصر الدين والدو * لة حيّاه ربه بالكرامه وتداعت جموعه بافتراق : * هكذا هكذا تكون القيامة ! واجتاز بعض الأفاضل بداره بعد موته وقد تشعثت ، فأنشد : عليك سلام اللّه من منزل قفر * فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري عهدتك مذ شهر جديدا ولم أخل * صروف الردى تبلي مغانيك في شهر وكان الأمير المذكور قد جعل ولي عهده من بعده ولده إسماعيل ، واستخلفه على الأعمال ، وأوصى إليه بأمور أولاده وعياله ، وجمع وجوه حجابه وقواده على طاعته ومتابعته ، وجلس على سرير السلطنة ، وتحكم واعتبر بيوت الأموال ، وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيما بمدينة بلخ وإسماعيل بغزنة ، فلما بلغه نعي أبيه كتب إلى أخيه إسماعيل ولاطفه في القول وقال له : إن أبي لم يستخلف دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت بعيدا عنه ، ولو أوقف الأمر على حضوري لفاتت مقاصده « 3 » ، ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث وتكون أنت مكانك بغزنة وأنا بخراسان ، وندبر الأمور ونتفق على المصالح كيلا يطمع فينا عدو ، ومتى ما ظهر للناس اختلافنا قلّت حرمتنا « 4 » ، فأبى إسماعيل من

--> ( 1 ) ن : استقاده . ( 2 ) لي ن : بابي ثور ، ق : بابي النور ، وعند دي سلان : باي توز . ( 3 ) لي : مصالح ومقاصد . ( 4 ) ق ن لي : كي لا يطمع فينا متى ما ظهر للناس اختلافنا .